كتبت : رنا غبن
لا أحد يختلف على أن المناصب القيادية تتطلب الحزم، واتخاذ القرارات، وإدارة الأفراد، وأحيانًا فرض النظام. لكن المشكلة لا تبدأ داخل بيئة العمل، بل تبدأ عندما ينسى البعض أن يترك سلطته على باب المكتب، ويحملها معه إلى بيته وأصدقائه وحتى أقرب الناس إليه. هناك فرق كبير بين أن تمتلك سلطة… وأن تسمح للسلطة بأن تمتلكك.
السلطة فى حد ذاتها ليست عيبًا، بل هى مسؤولية. لكن بعض الأشخاص يختلط عليهم الأمر، فيتحول المنصب من وظيفة إلى هوية، ويصبح التعامل مع الآخرين قائمًا على إصدار الأوامر بدلًا من الحوار، وعلى فرض الرأى بدلًا من الاستماع.
وغالبًا ما تكون العلاقة الزوجية أول ضحايا هذا التحول. فالزوج أو الزوجة لا يبحثان عن مدير جديد داخل المنزل، بل عن شريك يسمع، ويتفهم، ويحتوى. وعندما تصبح كل مناقشة أشبه باجتماع عمل، وكل اختلاف يُقابل بمنطق “أنا أعرف أكثر”، تبدأ المسافات النفسية فى الاتساع، حتى وإن ظل البيت قائمًا، شيئًا فشيئًا، تتحول العلاقة الزوجية إلى مساحة يسيطر عليها طرف واحد. يقل الحوار، ويزداد إصدار الأحكام، ويصبح الاحتواء رفاهية لا يجد لها وقتًا. ومع مرور الأيام، قد يبقى البيت قائمًا، لكن المودة تبدأ فى التآكل بصمت.
ولا يتوقف الأمر عند الأسرة، بل يمتد إلى دائرة الأصدقاء والأقارب. فالشخص الذى اعتاد أن تكون كلمته نافذة فى العمل، قد يجد صعوبة فى تقبل النقد أو الاعتراف بالخطأ أو حتى قبول وجهة نظر مختلفة. ومع الوقت، يبدأ الآخرون فى الابتعاد، ليس خوفًا منه، بل هربًا من علاقة فقدت توازنها.
الدراسات فى علم النفس الإدارى تشير إلى أن السلطة قد تقلل من قدرة بعض الأشخاص على قراءة مشاعر الآخرين إذا لم يصاحبها قدر كافٍ من الوعى الذاتى والذكاء العاطفى. فالمنصب يمنح صلاحيات، لكنه لا يمنح تلقائيًا التعاطف أو الحكمة فى إدارة العلاقات.
والمفارقة أن القائد الحقيقى ليس من يفرض سيطرته فى كل مكان، بل من يعرف متى يستخدم سلطته، ومتى يتركها جانبًا. فالقيادة الناجحة تقوم على الذكاء العاطفى بقدر ما تقوم على الحزم، وعلى الاحترام المتبادل أكثر من النفوذ.
فى النهاية، هناك سؤال يستحق أن يطرحه كل صاحب سلطة على نفسه: عندما ينتهى يوم العمل، هل أعود إلى منزلى بصفة المدير… أم بصفة الإنسان؟
صوت مصر