لم يعد الإنسان يستيقظ على صوت المنبه فقط، بل على إشعارات لا تنتهي. وقبل أن يبدأ يومه، يكون قد شاهد نجاحات الآخرين، وسفرهم، وصورهم المثالية، وعلاقتهم التى تمتلأ بالرومانسية وحياتهم التي تبدو بلا عيوب…
وفي دقائق قليلة، يجد نفسه يفكر وقد يُقارن حياته كلها بلحظات مختارة بعناية من حياة أشخاص آخرين للعرض.
السوشيال ميديا لم تعد مجرد وسيلة تواصل، بل أصبحت بيئة نفسية يعيش فيها الإنسان ساعات طويلة يوميًا. المشكلة ليست في التكنولوجيا نفسها، وإنما في الطريقة التي أثرت بها على إدراكنا لأنفسنا وللآخرين.
لم يعد الإنسان يقارن نفسه بمن حوله فقط، بل بآلاف الأشخاص يوميًا، فينشأ شعور دائم بأن الجميع يعيشون حياة أفضل. أصبح الإعجاب والتعليق والمشاركة مصدرًا سريعًا للشعور بالقبول، ومع غيابها قد يشعر البعض بانخفاض قيمتهم الذاتية. لدينا مئات الأصدقاء على المنصات، لكن عدد الأشخاص الذين نستطيع اللجوء إليهم عند الانكسار قد يكون قليلًا جدًا. كثير مما نراه ليس الحياة الحقيقية، بل نسخة منتقاة ومعدلة منها. ومع ذلك نتعامل معها وكأنها الواقع.
الأخطر أن السوشيال ميديا لا تغيّر حياتنا فقط، بل تغيّر معاييرنا. أصبح النجاح يُقاس بما يُنشر، والجمال بما تفرضه الفلاتر، والسعادة بما يظهر في الصور، لا بما يشعر به الإنسان في واقعه.
لن تختفي وسائل التواصل الاجتماعي، ولن يعود العالم كما كان. لكن ما يمكن استعادته هو وعينا. أن ندرك أن ما نراه ليس الحقيقة كاملة، وأن قيمتنا لا تُقاس بعدد المتابعين، وأن صحتنا النفسية تستحق أن نحميها من المقارنات المستمرة، ومن السعي الدائم لإرضاء جمهور قد لا يعرف عنا سوى صورة… لا الإنسان الحقيقي. أن نعيش ونسعد دون التفكير فى كل ذلك!
صوت مصر